فن ثقافة

السينما المصرية.. أكثر من قرن على الشاشة وصناعة لا تزال تكتب تاريخ الفن العربي

كتب/معاذ إسماعيل

قبل أكثر من 130 عامًا انطفأت أضواء إحدى القاعات في الإسكندرية لتُضاء شاشة صغيرة للمرة الأولى معلنة ميلاد علاقة استثنائية بين المصريين والسينما لم يكن ذلك مجرد عرض لفيلم صامت بل كان الشرارة التي أطلقت واحدة من أعرق الصناعات الفنية في المنطقة لتتحول مصر مع مرور الزمن إلى “هوليوود الشرق”والمصنع الأكبر للنجوم والحكايات التي تجاوزت حدود الجغرافيا ووصلت إلى ملايين المشاهدين في العالم العربي

على مدار أكثر من قرن لم تكن السينما المصرية مجرد وسيلة للترفيه بل كانت شاهدًا على تحولات المجتمع ومرآة تعكس أحلام الناس وأزماتهم ومنبرًا وثق تاريخ أجيال كاملة وبين سنوات الازدهار والتحديات بقيت الكاميرا المصرية قادرة على إعادة اكتشاف نفسها لتثبت أن الفن الحقيقي لا يعرف التوقف

من شاشة صامتة إلى صناعة كاملة بدأت الرحلة عام 1896 عندما استقبلت الإسكندرية أول عرض سينمائي في الشرق الأوسط لتلحق بها القاهرة بعد فترة قصيرة وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع أن تصبح مصر لاحقًا القلب النابض للسينما العربية

لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عام 1927 مع فيلم “ليلى” أول فيلم روائي طويل بإنتاج مصري لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت فيها السينما من مجرد مشاهدة الأفلام الأجنبية إلى صناعة أعمال تحمل الهوية المصرية وتروي قصص المجتمع بكل تفاصيله.

استوديو مصر.. الحلم الذي غيّر قواعد اللعبة
مع افتتاح استوديو مصر عام 1935 دخلت الصناعة مرحلة مختلفة تمامًا لأول مرة أصبحت مصر تمتلك منظومة إنتاج متكاملة قادرة على منافسة أكبر الاستوديوهات في ذلك الوقت وهو ما انعكس سريعًا على جودة الأفلام ومستوى الإخراج والتصوير

وجاء فيلم “العزيمة” عام 1939 ليعلن ميلاد الواقعية الاجتماعية في السينما المصرية بعدما نقل الكاميرا من القصور إلى الشوارع ومن الطبقات الأرستقراطية إلى المواطن البسيط لتصبح السينما أكثر قربًا من الناس

العصر الذهبي عندما كانت القاهرة عاصمة السينما العربية من الأربعينيات وحتى نهاية الستينيات عاشت السينما المصرية عصرها الذهبي حيث كانت دور العرض تستقبل عشرات الأفلام الجديدة كل عام بينما كانت القاهرة قبلة الفنانين وصناع السينما من مختلف أنحاء الوطن العربي

في تلك الفترة صنع كبار المخرجين مدارس فنية لا تزال تُدرَّس حتى اليوم بينما تحولت أسماء مثل فاتن حمامة وعمر الشريف وشادية وإسماعيل ياسين وعبد الحليم حافظ وأنور وجدي إلى أيقونات خالدة تجاوز تأثيرها حدود مصر ليصل إلى العالم العربي وأوروبا

لم تكن الأفلام تحقق النجاح الجماهيري فقط بل أصبحت تمثل القوة الناعمة المصرية وتصدر الثقافة واللغة واللهجة المصرية إلى ملايين المشاهدين

عندما تحدثت السينما بلسان الشارع
مع السبعينيات والثمانينيات تغيرت ملامح المجتمع فتغيرت معه السينما أصبحت الكاميرا أكثر جرأة في الاقتراب من القضايا الاجتماعية والسياسية وظهرت أفلام تناقش الفساد والبطالة وأزمات الطبقة المتوسطة لتتحول الشاشة إلى مساحة للنقاش وكشف الواقع وليس فقط للترفيه

التسعينيات شباك التذاكر يستعيد بريقه شهدت التسعينيات عودة قوية للجمهور إلى دور العرض بعدما نجحت الكوميديا في استعادة الزخم الجماهيري وظهر جيل جديد من النجوم الذين صنعوا حالة مختلفة بينما حافظت السينما في الوقت نفسه على تقديم أعمال اجتماعية وإنسانية تركت أثرًا كبيرًا لدى النقاد والجمهور

الألفية الجديدة.. صناعة تتغير بسرعة مع بداية القرن الحادي والعشرين دخلت السينما المصرية مرحلة جديدة فرضتها التكنولوجيا الرقمية وتغيرات السوق تطورت تقنيات التصوير والإنتاج وظهرت شركات كبرى أعادت رسم خريطة المنافسة بينما أصبح موسم شباك التذاكر معركة سنوية ينتظرها الجمهور وصناع الفن على حد سواء
كما فرضت المنصات الرقمية واقعًا جديدًا، دفع صناع السينما إلى البحث عن أفكار أكثر تنوعًا وأعمال قادرة على المنافسة محليًا وعالميًا.

بين الماضي والمستقبل رغم التحديات التي تواجهها الصناعة اليوم، من ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى المنافسة الشرسة مع المنصات الرقمية، فإن السينما المصرية ما زالت تثبت أنها قادرة على البقاء والتطور، مستفيدة من تاريخ طويل صنعته أجيال متعاقبة من المبدعين فالسينما المصرية ليست مجرد أفلام تُعرض على شاشة بل ذاكرة وطن وسجل حي يوثق تفاصيل المجتمع ويحتفظ بملامح كل عصر، ويعيد تقديمها للأجيال القادمة

وبعد أكثر من 130 عامًا على انطلاق أول عرض سينمائي في مصر لا تزال الكاميرا تدور والستار يرفع والحكايات تولد من جديد لتؤكد أن السينما المصرية ليست إرثًا من الماضي فقط بل صناعة تمتلك القدرة على صناعة المستقبل أيضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى