لم تعد السينما للمتعة فقط الأفلام الضخمة تشعل سباقًا اقتصاديًا بين دول العالم
كتب/معاذ إسماعيل

لم تعد الأفلام الضخمة مجرد أعمال ترفيهية تُعرض على شاشات السينما بل أصبحت اليوم أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي بعدما أدركت الحكومات أن كل فيلم عالمي يمكن أن يتحول إلى مشروع استثماري يدر مليارات الدولارات ويخلق آلاف فرص العمل ويضع اسم الدولة في دائرة الضوء
ومع اشتداد المنافسة بين الدول على استضافة الإنتاجات السينمائية الكبرى لم يعد النجاح يقاس بعدد الجوائز أو حجم الإيرادات فقط بل بحجم التأثير الاقتصادي الذي تتركه صناعة السينما على قطاعات السياحة والتكنولوجيا والخدمات والاستثمار
السينما صناعة تدر الأموال قبل التصفيق
وراء كل فيلم ضخم ميزانية قد تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، لكن ما يُنفق على الإنتاج لا يتوقف عند الكاميرات والنجوم بل يمتد إلى الفنادق وشركات الطيران والمواصلات والمطاعم وورش الديكور والاستوديوهات والمؤثرات البصرية وآلاف العاملين الذين يشاركون في تنفيذ العمل
ولهذا أصبحت صناعة السينما واحدة من أكثر الصناعات الإبداعية تأثيرًا في الاقتصاد بعدما تحولت إلى منظومة متكاملة تستفيد منها عشرات القطاعات في الوقت نفسه
الدول تتنافس على جذب هوليوود في السنوات الأخيرة دخلت دول عديدة سباقًا عالميًا لاستقطاب شركات الإنتاج الكبرى عبر تقديم إعفاءات ضريبية وتسهيلات لوجستية واستثمارات ضخمة في إنشاء استوديوهات عالمية ومدن إنتاج متطورة
فالهدف لم يعد تصوير فيلم فقط بل بناء صناعة قادرة على جذب استثمارات مستمرة، وتحويل الدولة إلى مركز إقليمي وعالمي للإنتاج السينمائي
الفيلم الناجح ينعش السياحة أثبتت التجارب العالمية أن النجاح الجماهيري لفيلم واحد قد يغيّر خريطة السياحة في دولة كاملة حيث تتحول مواقع التصوير إلى وجهات يقصدها ملايين الزوار وهو ما ينعكس على إشغال الفنادق وحركة الطيران والمطاعم والأنشطة التجارية
ولهذا أصبحت السينما بالنسبة للحكومات وسيلة تسويق عالمية قد تحقق نتائج تستمر لسنوات طويلة بعد انتهاء عرض الفيلم منصات البث تشعل سباق الميزانيات مع المنافسة المتزايدة بين المنصات الرقمية العالمية ارتفع الإنفاق على الإنتاج السينمائي والدرامي إلى مستويات غير مسبوقة في ظل سعي كل منصة لتقديم أعمال تمتلك جودة عالمية قادرة على جذب الجمهور والاحتفاظ به
هذا السباق لم يرفع أجور النجوم فقط بل ضاعف الاستثمار في المؤثرات البصرية وتقنيات التصوير الحديثة والذكاء الاصطناعي والاستوديوهات الرقمية
القوة الناعمة أصبحت استثمارًا اقتصاديًا لم تعد الدول تنظر إلى الفن باعتباره نشاطًا ثقافيًا فقط بل كأداة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتحسين صورتها أمام العالم
فالفيلم الناجح لا يروج لنجومه فحسب بل يروج أيضًا لمدنه وثقافته ومقوماته السياحية وفرصه الاستثمارية وهو ما يجعل السينما اليوم أحد أهم أدوات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين
السينما في عصر الاقتصاد الجديد في عالم تتنافس فيه الدول على جذب رؤوس الأموال والمشروعات الكبرى أصبحت صناعة الأفلام جزءًا من هذه المنافسة فكل استوديو جديد وكل إنتاج عالمي وكل فيلم ضخم يمثل فرصة اقتصادية قد تمتد آثارها لسنوات
ولذلك لم يعد السؤال المطروح داخل شركات الإنتاج أو الحكومات“هل سينجح الفيلم فنيًا؟” بل أصبح “كم فرصة عمل سيخلق؟ وكم استثمارًا سيجذب؟ وكم سيضيف إلى اقتصاد الدولة؟”
وهكذا لم تعد الكاميرا توثق الحكايات فقط بل أصبحت تصنع اقتصادًا وتعيد رسم خريطة المنافسة بين الدول في وقت باتت فيه السينما واحدة من أكثر الصناعات تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد العالمي.



