أخبار

رامي عبدالمجيد يكتب: نقابة التجاريين على أعتاب نقلة نوعية قد تغير مستقبل العمل النقابي في مصر

خلال الفترة الماضية أتيحت لنا فرصة الاستماع إلى العديد من الآراء ووجهات النظر المتعلقة بمستقبل نقابة التجاريين، سواء من أعضاء النقابة داخل مصر وخارجها، أو أصحاب المعاشات، أو عدد من المرشحين المحتملين المتواجدين على الساحة النقابية، أو بعض القائمين على العمل النقابي داخل النقابة.

ورغم اختلاف الرؤى، إلا أن الجميع تقريباً اتفق على حقيقة واحدة، وهي أن نقابة التجاريين تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تصبح واحدة من أقوى النقابات المهنية في مصر، إذا تم توظيف التكنولوجيا الحديثة بصورة صحيحة.

ومن هنا جاءت فكرة التحول الرقمي الشامل، ليس باعتباره رفاهية أو مشروعاً تقنياً، وإنما باعتباره ضرورة تفرضها طبيعة العصر وتوجهات الدولة المصرية نحو الرقمنة والشمول المالي وبناء قواعد بيانات دقيقة قادرة على دعم اتخاذ القرار وتحسين الخدمات وتعظيم الموارد.

وتبدأ الرؤية من المرحلة الأهم، وهي تنقية وتحديث قاعدة بيانات الأعضاء.

فأي مؤسسة تمتلك بيانات دقيقة تستطيع التخطيط والتفاوض وتقديم الخدمات بصورة أفضل. كما أن امتلاك قاعدة بيانات محدثة لمليون ومائة ألف عضو يمنح النقابة قوة كبيرة عند التفاوض مع البنوك وشركات التأمين والجهات الطبية ومراكز التدريب والقطاع الخاص، لأنها تتحدث وقتها بلغة الأرقام الحقيقية وليس التقديرات.

وبعد تنقية البيانات، يتم إطلاق منصة لتحديث البيانات تسمح للعضو بمراجعة بياناته وتعديلها واستكمال النواقص إلكترونياً، بصورة مشابهة لما يتم في العديد من المنصات الحكومية الحديثة، ومنها منظومة “ساب” الضريبية وغيرها من المنصات الرقمية التي تعتمد على مشاركة المستخدم في تحديث بياناته بنفسه تحت رقابة ومراجعة الجهة المختصة.

ثم تبدأ حملة قومية لتحديث البيانات والوصول إلى أعضاء النقابة داخل مصر وخارجها، بما يضمن بناء قاعدة بيانات مهنية حديثة ومتكاملة.

وهنا تظهر واحدة من أهم النتائج المباشرة للمشروع، فبمجرد اكتمال تحديث البيانات تصبح النقابة قادرة على التواصل المباشر مع أعضائها، وإخطارهم بالخدمات الجديدة، ودعوتهم إلى الجمعيات العمومية، وتنبيه غير المسددين للاشتراكات، ومتابعة الملفات المختلفة بصورة أكثر فاعلية.

كما أن سهولة السداد الإلكتروني ستشجع العديد من الأعضاء على تسوية موقفهم المالي، خاصة من لم يتمكنوا من السداد خلال سنوات سابقة، وستفتح الباب أمام شريحة كبيرة من خريجي الكليات والمعاهد التجارية للانضمام إلى النقابة والاستفادة من خدماتها.

ومن خلال هذه القاعدة يمكن الربط مع شركات الدفع والتحصيل الإلكتروني مثل فوري وأمان ومصاري وBee والمحافظ الإلكترونية والبنوك المختلفة.

ولشركات الدفع مصلحة مباشرة أيضاً في نجاح هذه المنظومة، لأنها ستتعامل مع واحدة من أكبر القواعد المهنية المنظمة في مصر، بما يحقق زيادة في حجم المعاملات الإلكترونية ويعزز أهداف الدولة في الشمول المالي والتحول الرقمي.

أما المرحلة الأهم فتتمثل في إطلاق المنصة الإلكترونية والتطبيق الرسمي للنقابة.

ولا نتحدث هنا عن مجرد موقع إلكتروني أو وسيلة لتحصيل الاشتراكات، بل عن منصة مهنية متكاملة تضع النقابة في هاتف كل عضو.

ومن خلال التطبيق يمكن تقديم خدمات العضوية، وتجديد الكارنيهات، وسداد الاشتراكات، والاستعلام عن المعاشات، والخدمات الطبية، والإسكان، والمصايف، والتدريب، والتوظيف، والشكاوى، والاستشارات المهنية، والتواصل المباشر مع الأعضاء.

ولعل التجارب الناجحة حولنا تؤكد إمكانية ذلك، ويكفي الإشارة إلى تطبيق “نقابتي” الخاص بنقابة المهندسين، والذي يمثل نموذجاً عملياً لكيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة الأعضاء وتحسين التواصل ورفع كفاءة الخدمات.

كما يمكن أن يتحول التطبيق إلى منصة مهنية واقتصادية توفر فرصاً جديدة لتنمية موارد النقابة من خلال الإعلانات المهنية لمكاتب المحاسبة والمراجعة والمحاماة وشركات التأمين ومراكز التدريب والبنوك وشركات البرمجيات والخدمات المالية المختلفة.

وعند اكتمال هذه المراحل خلال فترة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر، ستكون نقابة التجاريين قد انتقلت من مرحلة إدارة الملفات التقليدية إلى مرحلة الإدارة الرقمية الحديثة.

وحينها لن تكون النقابة مجرد جهة تقدم بعض الخدمات لأعضائها، بل منصة مهنية رقمية متكاملة تخدم ملايين المواطنين، وتدعم مؤسسات الدولة، وتربط القطاع الخاص بالكوادر المهنية، وتساهم في التدريب والتشغيل والتطوير المهني بصورة غير مسبوقة.

إن مستقبل النقابات المهنية في العالم يتجه نحو الرقمنة.

والسؤال لم يعد: هل نتحول رقمياً؟

بل أصبح: متى نبدأ؟

وأعتقد أن الفرصة أصبحت أقرب من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى